فصل: كتاب الصَّيام

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق ***


مسألة ‏(‏346‏)‏‏:‏ المانع من أخذ الزَّكاة أن يكون له كفايةٌ على الدَّوام، وهو قول الشَّافعيِّ‏.‏

وعن أحمد‏:‏ اعتبار الكفاية، أو أن يملك خمسين درهمًا، أو قيمتها من الذَّهب‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ إذا ملك نصابًا لم تحلَّ له‏.‏

لنا على الرِّواية الأولى‏:‏

1656- ما روى الإمام أحمد بن حنبل‏:‏ ثنا إسماعيل أنا أيُّوب عن هارون بن رئاب عن كنانة بن نعيم عن قَبِيصة بن المخارق عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال‏:‏ ‏"‏إنَّ المسألة لا تحلُّ إلا لثلاثة‏:‏ رجلٌ تحمَّل حمالة قوم، فيسأل فيها حتَّى يؤدِّيها، ثُمَّ يمسك؛ ورجلٌ أصابته جائحةٌ اجتاحت ماله، فيسأل فيها حتَّى يصيب قوامًا من عيشٍ- أو سدادًا من عيشٍ-، ثُمَّ يمسك؛ ورجلٌ أصابته فاقه، فيسأل ضى يصيب قوامًا من عيشٍ- أو سَدَادًا من عيشٍ-، ثُمَّ يمسك‏"‏‏.‏

انفرد بإخراجه مسلمٌ‏.‏

1657- قال أحمد‏:‏ ثنا عبد الرَّحمن ثنا سفيان عن مصعب بن محمَّد عن يعلى بن أبي يحيى عن فاطمة بنت حسين عن أبيها حسين بن عليٍّ قال‏:‏ قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏للسَّائل حقٌّ، وإن جاء على فرسٍ‏"‏‏.‏

ز‏:‏ رواه الإمام أحمد عن وكيع عن سفيان، ورواه أبو داود عن محمَّد بن كثيرٍ عن سفيان عن مصعب بن محمَّد بن شُرَخبيل، ورواه الطَّبرانيُّ عن أبي مسلم الكشيِّ عن محمَّد بن كثيرٍ‏.‏

ورواه زهير عن شيخٍ- رأى سفيان عنده- عن فاطمة بنت حسين عن أبيها عن عليٍّ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

وهو حديثٌ لا يثبت عن النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

ومصعب هو‏:‏ ابن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن شُرَحْبيل العبدريُّ- من بني عبد الدَّار-، قال أبو طالب‏:‏ سألت أحمد بن حنبل عنه، فقال‏:‏ لا أعلم إلا خيرًا‏.‏

ووثَّقه يحيى بن معين في رواية ابن أبي خيثمة عنه، وقال أبو حاتم‏:‏ صالحٌ، يكتب حديثه، ولا يحتجُّ به‏.‏

ويعلى بن أبي يحيى- ويقال‏:‏ بالعكس-‏:‏ غير معروفٍ، قال ابن أبي حاتم‏:‏ سئل أبي عنه، فقال‏:‏ مجهولٌ‏.‏

وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنَّه قال‏:‏ أربعة أحاديث تدور عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الأسواق ليس لها أصلٌ‏:‏ ‏"‏من بشَّرني بخروج آذار بشَّرته بالجنَّة‏"‏، و ‏"‏ من آذى ذميًّا فأنا خصمه يوم القيامة‏"‏، و ‏"‏ نحركم يوم صومكم‏"‏، و‏"‏ للسائل حقٌّّ وإن جاء على فرسٍ‏"‏‏.‏

ذكر هذا أبو عمرو بن الصَّلاح O‏.‏

ووجه الرِّواية الأخرى‏:‏

1658- ما روى الإمام أحمد‏:‏ ثنا وكيع ثنا سفيان عن حكيم بن جبير عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏من سأل وله ما يغنيه، جاءت يوم القيامة خدوشًا- أو كدوحًا- في وجهه‏"‏‏.‏

قالوا‏:‏ يا رسول الله، وما غناه‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏خمسون درهمًا، أو حسابها من الذَّهب‏"‏‏.‏

قال المؤلِّف‏:‏ حكيم بن جبيرٍ مجروحٌ، قال أحمد بن حنبل‏:‏ هو ضعيف الحديث، مضطرب‏.‏

وقال يحيى والنَّسائيُّ‏:‏ ضعيفٌ‏.‏

وقال يحيى مرَّةً‏:‏ ليس بشيءٍ‏.‏

وقال السَّعديُّ‏:‏ كذَّابٌ‏.‏

وقد احتجَّ من صحَّح هذا الحديث بما حكاه التِّزمذيُّ، قال‏:‏ ثنا محمود ابن غيلان ثنا يحيى بن آدم ثنا سفيان عن حكيم بن جبير بهذا الحديث، فقال له عبد الله بن عثمان- صاحب شعبة-‏:‏ لو غير حكيم حدَّث بهذا‏؟‏‏!‏ فقال له‏:‏ وما لحكيم‏؟‏‏!‏ لا يحدِّث عنه شعبة‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال سفيان‏:‏ سمعت زبيدًا يحدِّث بهذا عن محمَّد بن عبد الرَّحمن‏.‏

فأجيب من قال هذا، فقيل له‏:‏ ليس في هذا حجَّة، فإنَّ سفيان ما أسنده، إنَّما قال‏:‏ ثنا زبيد عن محمَّد بن عبد الرَّحمن فحسب، ولم يرفعه‏.‏

وقد روى هذا الحديث عبد الله بن سلمة بن أسلُم- بضمِّ اللام- عن عبد الرَّحمن بن المسور بن مخرمة عن أبيه عن ابن مسعود عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

قال الدَّارَقُطْنِيُّ‏:‏ ابن أسلُم ضعيفٌ‏.‏

ورواه بكر بن خنيس عن أبي شيبة عبد الرَّحمن بن إسحاق عن القاسم ابن عبد الرَّحمن عن أبيه عن ابن مسعود عن النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

وبكر وأبو شيبة ضعيفان بمرَّةٍ‏.‏

ثُمَّ ليس في هذا الحديث أنَّ من ملك خمسين درهمًا لم تحلَّ له الصَّدقة، وإنَّما فيه أَنَّه كره له المسألة فقط، والمسألة إنَّما تكون مع الضَّرورة، ولا ضرورة لمن يجدما يكفيه في وقته‏.‏

ز‏:‏ وقد روى حديث حكيم بن جبيرٍ‏:‏ أبو داود عن الحسن بن عليٍّ عن يحيى بن آدم عن سفيان عنه، قال يحيى‏:‏ فقال عبد الله بن عثمان لسفيان‏:‏ حفظي أنَّ شعبة لا يروى عن حكيم بن جبير‏.‏

فقال سفيان‏:‏ فقد حدَّثناه زبيد عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن يزيد‏.‏

ورواه التِّرمذيُّ عن قتيبة وعليِّ بن حُجر عن شريك عن حَكيم بن جبير، وقال‏:‏ حديث ابن مسعود حديثٌ حسنٌ، وقد تكلَّم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث‏.‏

ثُمَّ ذكر ما حكاه عنه المؤلِّف‏.‏

ورواه النَّسائيُّ عن أحمد بن سليمان عن يجيى بن آدم، وقال‏:‏ لا نعلم أحدًا قال في هذا‏:‏ ‏(‏عن زبيد‏)‏ غير يحيى بن آدم‏.‏

ولم يذكر عبد الله بن عثمان‏.‏

ورواه ابن ماجة عن الحسن بن عليٍّ به سواء‏.‏

وقال عليُّ بن المدينيِّ‏:‏ سألت يجيى بن سعيد عن حكيم بن جبير، فقال‏:‏ كم روى‏؟‏ إنَّما روى شيئًا يسيرًا‏.‏

قلت‏:‏ من تركه‏؟‏ قال‏:‏ شعبة، من أجل حديث الصَّدقة، كان يحدِّث عن من دونه‏.‏

وقال أحمد بن سنان القطَّان‏:‏ قلت لعبد الرَّحمن بن مهديٍّ‏:‏ لم تركت حديث حكيم بن جبير‏؟‏ فقال‏:‏ حدَّثني يحيى القطَّان قال‏:‏ سألت شعبة عن حديث حكيم بن جبير، فقال‏:‏ أخاف النَّار‏.‏

‏[‏وقال معاذ بن معاذ‏:‏ قلت لشعبة‏:‏ حدَّثني بحديث حكيم بن جبير‏.‏

فقال‏:‏ أخاف النَّار‏]‏‏.‏

وقال عبد الرَّحمن بن أبي حاتم‏:‏ سألت أبا زرعة عن حكيم بن جبير، فقال‏:‏ في رأيه شيءٌ‏.‏

قلت‏:‏ ما محلُّه‏؟‏ قال‏:‏ الصِّدق إن شاء الله‏.‏

وسألت أبي عنه، فقال‏:‏ ما أقربه من يونس بن خبَّاب في الضَّعف والرأي، وهو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأيٌ غير محمودٍ، نسأل الله السَّلامة‏.‏

قلت‏:‏ هو أحبُّ إليك أو ثوير‏؟‏ قال‏:‏ ما فيهما إلا ضعيفٌ غالٍ في التَّشيُّع، وهما متقاربان‏.‏

وقال البخاريُّ‏:‏ كان شعبة يتكلَّم فيه‏.‏

وقال يعقوب بن شيبة‏:‏ ضعيف الحديث‏.‏

وقال النَّسائيُّ‏:‏ ليس بالقويِّ‏.‏

وقال الدَّارَقُطْنِيُّ‏:‏ متروكٌ‏.‏

وقال ابن عَدِيٍّ‏:‏ حدَّثنا ابن حمَّاد قال‏:‏ حدَّثني أبو الحسن محمَّد بن عبد الله ابن مخلد ثنا إسحاق بن راهويه قال‏:‏ قال يحيى بن آدم‏:‏ قال سفيان الثَّوريُّ‏:‏ شعبة ينكر على حكيم بن جبير حديث الصَّدقة، أمَّا إني قد سمعته من زبيد‏.‏

قال‏:‏ وثنا ابن أبي بكر ثنا عبَّاس قال‏:‏ سمعت يحيى يقول- وسألته عن حديث حكيم بن جبير ‏(‏حديث ابن مسعود‏:‏ ‏"‏لا تحلُّ الصدقة لمن كان عنده خمسون درهمًا ‏"‏‏)‏‏:‏ يرويه أحدٌ غير حكيم‏؟‏- فقال يحيى‏:‏ نعم، يرويه يحيى ابن آدم عن سفيان عن زبيد، ولا أعلم أحدًا يرويه إلا يحيى بن آدم، وهذا وهمٌ، لو كان هذا كذا لحدَّث به النَّاس جميعًا عن سفيان، ولكنَّه حديثٌ منكر‏.‏

هذا الكلام قاله يحيى أو نحوه‏.‏

وقال عمرو بن عليٍّ‏:‏ كان عبد الرَّحمن لا يحدِّث عن حكيم بن جبير، وكان يحيى يحدِّث عنه‏.‏

وقال محمَّد بن عبد الرَّحمن العنبريُّ‏:‏ سُئل عبد الرَّحمن بن مهديٍّ عن حكيم بن جبير، فقال‏:‏ إنَّما روى أحاديث يسيرة، وفيها أحاديث منكرات‏.‏

وقال أبو بكر الأثرم‏:‏ قلت لأحمد بن حنبل‏:‏ حديث حكيم بن جبير في الصَّدقة، رواه زبيد أيضًا‏؟‏ فقال‏:‏ كذا قال يحيى بن آدم، قال‏:‏ سمعت سفيان يقول لعبد الله بن عثمان‏:‏ أبو بسطام- يعني‏:‏ شعبة- يروي عن حكيم بن جبير شيئًا‏؟‏ فقال‏:‏ لا‏.‏

فقال سفيان‏:‏ فحدَّثنا زبيد عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن يزيد‏.‏

وقال ابن عَدِيٍّ‏:‏ سمعت أحمد بن حفص يقول‏:‏ سُئل أحمد بن حنبل- يعني وهو حاضر-‏:‏ متى تحلُّ الصَّدقة‏؟‏ قال‏:‏ إذا لم يكن خمسون درهمًا أو حسابها من الذَّهب‏.‏

قيل له‏:‏ حديث حكيم بن جبير‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏

ثُمَّ حكى عن يحيى بن آدم أنَّ الثوريَّ قال يومًا‏:‏ قال أبو بسطام يحدِّث- يعني‏:‏ شعبة- هذا الحديث عن حكيم بن جبيرٍ‏؟‏ قيل له‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ حدَّثني زبيد عن محمَّد ابن عبد الرَّحمن‏.‏

ولم يزد عليه‏.‏

قال أحمد‏:‏ كأنَّه أرسله، أو كره أن يحدِّث به، أما تعرف الرَّجل‏.‏

كلامًا نحو ذا‏.‏

وذكر ابن عَدِيٍّ لحكيم أحاديث، ثُمَّ قال‏:‏ وله غير ما ذكرت من الحديث شيءٌ يسيرٌ، والغالب في الكوفين التَّشيُّع‏.‏

وقال أبو حاتم بن حِبَّان في كتاب ‏"‏ الضُّعفاء ‏"‏‏:‏ حكيم بن جبير الأسديُّ، من أهل الكوفة، يروي عن سعيد بن جبير والنَّخعيِّ، روى عنه الثَّوريُّ وشريك، كان غاليًا في التَّشيُّع، كثير الوهم فيما يروي، كان أحمد بن حنبل لا يرضاه، وهو الَّذي يروي عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال‏:‏ ‏"‏من سأل النَّاس وهو غنيٌّ، جاء يوم الفيامة كدوحًا وخدوشًا في وجهه‏"‏‏.‏

قيل‏:‏ يا رسول الله، ما غناه‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏خمسون درهمًا أو قيمتها من الذَّهب‏"‏‏.‏

1659- أخبرناه زكريا بن يحيى السَّاجيُّ ثنا عبد الواحد بن غياث ثنا حمَّاد بن سلمة ثنا إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق عن حكيم بن جبير عن محمَّد ابن عبد الرَّحمن بن يزيد‏.‏

هكذا أبنا السَّاجيُّ عن إسرائيل عن حكيم بن جبير نفسه‏.‏

ولقد أخبرنا خالد بن النَّضر بن عمرو القرشيُّ ثنا عبد الواحد بن غياث ثنا حمَّاد بن سلمة عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن حكيم بن جبير عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود مثله، وهذا أشبه‏.‏

قال ابن حِبَّان‏:‏ وليس له طريقٌ يعرف ولا رواية، إلا من حديث حكيم ابن جبير‏.‏

كذا وجدته ليس فيه ‏(‏عن أبيه‏)‏‏.‏

1660- وقال البيهقيُّ‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العبَّاس محمَّد ابن يعقوب ثنا الحسن بن عليِّ بن عفَّان العامريُّ ثنا يحيى بن آدم ثنا سفيان بن سعيد عن حكيم بن جبير عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏من سأل وله ما يغنيه، جاء يوم القيامة خموشٌ- أو خدوشٌ أو كدوحٌ- في وجهه‏"‏‏.‏

فقيل‏:‏ يا رسول الله، وما الغنى‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏خمسون درهمًا، أو قيمتها من الذَّهب‏"‏‏.‏

قال يحيى بن آدم‏:‏ فقال عبد الله بن عثمان لسفيان‏:‏ حفظي أنَّ شعبة كان لا يروي عن حكيم بن جبير‏.‏

فقال سفيان‏:‏ فقد ثنا زبيد عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن يزيد‏.‏

قال البيهقيُّ‏:‏ وأنا أبو الحسين بن الفضل أنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب ابن سفيان‏.‏

فذكر معنى هذه الحكاية بلاغًا عن يحيى بن آدم عن سفيان، ثُمَّ قال يعقوب‏:‏ هي حكاية بعيدة، لو كان حديث حكيم بن جبير عن زبيد ما خفي على أهل العلم‏.‏

وقد سُئل الحافظ الدَّارَقُطْنِيُّ عن هذا الحديث في ‏"‏ العلل‏"‏، فقال‏:‏ يرويه حكيم بن جبير عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن يزيد عن أبيه، حدَّث به عنه‏:‏ الثَّوريُّ وشريك وإسرائيل وحمَّاد بن شعيب‏.‏

ورواه محمَّد بن مصعب القرقسانيُّ عن حمَّاد بن سلمة عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن محمَّد بن عبد الرَّحمن ‏[‏بن‏]‏ يزيد، ووهم في قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي إسحاق‏)‏ وإنَّما رواه إسرائيل عن حكيم بن جبير‏.‏

ورواه شعبة عن حكيم بن جبير أيضًا، حدَّث به عنه‏:‏ إبراهيم بن طهمان ويحيى القطَّان‏.‏

ورواه زبيد ومنصور بن المعتمر عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن يزيد، لم يجاوزا به محمدًا، وقولهما أولى بالصَّواب‏.‏

1661- حدَّثنا يحيى بن محمَّد بن صاعدٍ ثنا أبو هشام الرِّفاعيُّ وعبد الأعلى بن واصل قالا‏:‏ ثنا يحيى بن آدم ثنا سفيان، وحدَّثنا ابن غيلان ثنا أبو هشام الرِّفاعيُّ ثنا يحيى بن آدم ثنا سفيان، عن حكيم بن جبير عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏لا يسأل عبدٌ مسألةٌ وله ما يغنيه، إلا جاءت يوم القيامة شيئًا أو خدوشًا أو كدوحًا- في وجهه‏"‏‏.‏

قالوا‏:‏ يا رسول الله، وماذا غناه- أو ماذا يغنيه-‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏خمسون درهمًا، أو حسابها من الذَّهب‏"‏‏.‏

قال أبو هشام في حديثه في هذا الموضع‏:‏ ‏(‏قال يحيى بن آدم‏:‏ قيل لسفيان‏:‏ لو كان غير حكيم بن جبير‏؟‏ فقال‏:‏ حدَّثنا زبيد عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن يزيد‏)‏‏.‏

وقال عبد الأعلى بن واصل في حديثه‏:‏‏)‏ قال يحيى بن آدم‏:‏ قال سفيان‏:‏ وقد سمعت زبيدًا يحدِّث عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن يزيد نحوه- أو شبهه- ‏)‏‏.‏

انتهى كلام الدَّارَقُطْنِيِّ‏.‏

1662- وقد روى الإمام أحمد بن حنبل هذا الحديث في ‏"‏ مسنده ‏"‏ من وجهٍ آخر ضعيفٍ، فقال‏:‏ حدَّثنا نصر بن باب عن الحجَّاج عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله بن مسعود أنَّه قال‏:‏ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏من سأل مسألةً وهو عنها غنيٌّ جاءت يوم القيامة كدوحًا في وجهه، ولا تحلُّ الصَّدقة لمن له خمسون درهمًا أو عرضها من الذَّهب‏"‏‏.‏

حجَّاج هو‏:‏ ابن أرطاة، وقد اشتهر الكلام فيه‏.‏

والحمل في هذا الحديث على نصر بن باب، فإنَّه مشهورٌ بالضَّعف، قال يحيى بن معين‏:‏ ليس بثقةٍ‏.‏

وقال مرَّةً‏:‏ ليس حديثه بشيءٍ‏.‏

وقال مرَّةً‏:‏ كذَّابٌ خبيثٌ‏.‏

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل‏:‏ سألت أبي عنه فقال‏:‏ إنَّما أنكر النَّاس عليه حين حدَّث عن إبراهيم الصَّائغ، وما كان به بأسٌ‏.‏

قلت له‏:‏ إنَّ أبا خيثمة قال‏:‏ نصر بن باب كذَّابٌ‏.‏

قال‏:‏ ما ‏[‏أجترئ‏]‏ على هذا أن أقوله‏!‏ أستغفر الله‏.‏

وقال السَّعديُّ‏:‏ لا يساوي حديثه شيئًا‏.‏

وقال أبو حاتم الرَّازيُّ والنَّسائيُّ‏:‏ متروك الحديث‏.‏

وقال البخاريُّ‏:‏ يرمونه بالكذب‏.‏

وقال ابن عَدِيٍّ‏:‏ وهو مع ضعفه يكتب حديثه‏.‏

وقال ابن حِبَّان‏:‏ كان ممَّن ينفرد عن الثِّقات بالمقلوبات، ويروي عن الأثبات ما لا يشبه حديث الثِّقات، فلمَّا كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به O‏.‏

مسألة ‏(‏347‏)‏‏:‏ لا يجوز لمن يقدر على الكفاية بالكسب أخذ الصَّدقة‏.‏

وقال أبو حنيفة ومالك‏:‏ يجوز‏.‏

1663- قال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا أسود بن عامر ثنا أبو بكر بن عيَّاش عن أبي حَصِين عن سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏لا تحلُّ الصَّدقة لغنيٍّ، ولا لذي مرَّة سويٍّ‏"‏‏.‏

1664- طريقٌ آخر‏:‏ قال الدَّارَقُطْنِيُّ‏:‏ ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا الحسن بن عرفة ثنا عليُّ بن ثابت عن الوازع ‏[‏بن‏]‏ نافع عن أبي سلمة عن جابرٍ قال‏:‏ جاءت رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صدقةٌ، فركبه النَّاس، فقال‏:‏ ‏"‏إنَّها لا تصلح لغنيٍّ، ولا لصحيحٍ سويٍّ، ولا لعاملٍ قويٍّ‏"‏‏.‏

1665- طريقٌ آخرٌ‏:‏ قال التِّرمذيُّ‏:‏ حدَّثنا محمَّد بن بشَّار ثنا أبو داود الطَّيالسيُّ ثنا سفيان عن سعد بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال‏:‏ ‏"‏لا تحلُّ الصَّدقة لغنيٍّ، ولا لذي مرَّةٍ سويٍّ‏"‏‏.‏

قالوا‏:‏ قد قال أبو حاتم الرَّازيُّ‏:‏ ريحان شيخٌ مجهولٌ‏.‏

ثُمَّ ‏[‏إنَّ‏]‏ الحديث إنَّما هو‏:‏ ‏"‏المسألة لا تحلُّ‏.‏

‏"‏‏:‏ 1666- قال التِّرمذيُّ‏:‏ حدَّثنا عليُّ بن سعيد الكنديُّ ثنا عبد الرَّحيم بن سليمان عن مجالد عن عامر عن حُبْشيِّ بن جنادة قال‏:‏ سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول‏:‏ ‏"‏إنَّ المسألة لا تحلُّ لغنيٍّ، ولا لذي مرَّةٍ سويٍّ، إلا لذي فقرٍ مُدقع، أو غرم منقطع‏"‏‏.‏

قلنا‏:‏ أمَّا ريحان‏:‏ فإن جهله أبو حاتم فقد عرفه يحيى بن معين ووثَّقه‏.‏

وأمَّا هذا الحديث الَّذي ذكروه فجوابه من وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ أنَّه ضعيفٌ، قال يحيى‏:‏ لا يحتجُّ بحديث مجالد‏.‏

والثَّانية‏:‏ أنَّا نقول به، وأنَّ المسألة لا تحلُّ له، ولا أخذُ الصَّدقة‏.‏

1667- طريقٌ آخر لحديثنا‏:‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا يحيى بن سعيد عن هشام قال‏:‏ حدَّثني أبي أنَّ عبيد الله بن عَدِيٍّ حدَّثه أنَّ رجلين أخبراه أنَّهما أتيا النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسألانه من الصَّدقة، فقلَّب فيهما البصر، فرآهما جَلْدَين، فقال‏:‏ ‏"‏إن شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مكتسب‏"‏‏.‏

ز‏:‏ حديث سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة‏:‏ رواه النَّسائيُّ عن هنَّاد بن السَّريِّ، ورواه ابن ماجة عن محمَّد بن الصَّبَّاح، كلاهما عن أبي بكر بن عيَّاش‏.‏

ورواته ثقاثٌ، لكن قال الإمام أحمد بن حنبل‏:‏ سالم بن أبي الجعد لم يسمع من أبي هريرة‏.‏

1668- وروى الحاكم في ‏"‏ المستدرك ‏"‏ من رواية ابن عيينة عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة يبلغ به‏:‏ ‏"‏لا تحلُّ الصَّدقة لغنيٍّ، ولا لذي مِرَّة سويٍّ‏"‏‏.‏

وقال‏:‏ على شرطهما‏.‏

وأمَّا حديث جابر‏:‏ ففيه الوازع بن نافع، وقد ضعَّفوه‏.‏

وأمَّا حديث عبد الله بن عمرو‏:‏ فرواه أبو داود عن عبَّاد بن موسى الخُتَليِّ عن إبراهيم بن سعدٍ عن أبيه، ورواه التِّرمذيُّ أيضًا عن ‏[‏محمود‏]‏ بن غيلان عن عبد الرَّزَّاق عن سفيان عن سعد ‏[‏، وقال‏:‏ حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن، وقد روى شعبة عن سعد‏]‏ بن إبراهيم هذا الحديث، بهذا الإسناد، ولم يرفعه‏.‏

ورواه الحاكم في ‏"‏ المستدرك ‏"‏ من رواية شعبة وسفيان عن سعد عن ريحان عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا‏.‏

وريحان‏:‏ وثَّقه ابن حِبَّان أيضًا، وقال حجَّاج عن شعبة عن سعد بن إبراهيم‏:‏ سمع ريحان بن يزيد، وكان أعرابيَّ ‏[‏صِدْقٍ‏]‏‏.‏

وأمَّا حديث حُبْشيٍّ‏:‏ فرواه التِّرمذيُّ أيضًا عن محمود بن غيلان عن يحيى بن آدم عن عبد الرَّحمن بن سليمان بنحوه‏.‏

وقال‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه‏.‏

وأمَّا حديث عبد الله بن عَدِيِّ بن الخيار‏:‏ فرواه أبو داود عن مسدَّد عن عيسى بن يونس عن هشام بن عروة، ورواه النَّسائيُّ عن عمرو بن عليٍّ ومحمَّد بن المثنَّى عن يحيى بن سعيد القطَّان‏.‏

وهو حديثٌ إسناده صحيحٌ، ورواته ثقاتٌ‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ ما أجوده من حديثٍ‏.‏

وقال‏:‏ هو أحسنها إسنادًا O‏.‏

مسألة ‏(‏348‏)‏‏:‏ حكم المؤلَّفة باقٍ‏.‏

وقال أبو حنيفة والشَّافعيُّ‏:‏ حكمهم منسوخٌ‏.‏

قال الزُّهريُّ‏:‏ لا أعلم شيئًا نسخ حكم المؤلَّفة‏.‏

واحتجُّوا‏:‏ بقوله عليه السَلام‏:‏ ‏"‏عليهم صدقةٌ، تؤخذ من أغنيائهم، وتردُّ على فقرائهم‏"‏‏.‏

وهذا محمولٌ على أنَّه قاله في وقتٍ لم يكن محتاجًا إلى التَّأليف‏.‏

مسألة ‏(‏349‏)‏‏:‏ يعطى الغازي مع الغِنَى‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يأخذ إلا مع الفقر‏.‏

1669- قال الدَّارَقُطْنِيُ‏:‏ حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم المارستانيُّ ثنا محمَّد بن سهل بن عسكر ثنا عبد الرَّزَّاق ثنا معمر والثَّوريُّ جميعًا عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدريِّ قال‏:‏ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏لا تحلٌّ المسألة لغنيٍّ إلَّا لخمسةٍ‏:‏ لعاملٍ عليها، والغازي في سبيل الله، والغارم، أو لرجلٍ اشتراها بماله، أو مسكين تصدَّق عليه وأهدى لغنيٍّ‏"‏‏.‏

وقد رواه أبو داود فقال‏:‏ ‏(‏لا تحلُّ الصَّدقة ‏(‏مكان قوله‏:‏ ‏(‏المسألة‏)‏، وإسناده ثقاتٌ‏.‏

ز‏:‏ 1670- قال إسماعيل بن عبد الله سمويه‏:‏ ثنا عثمان بن صالح أنا ابن وهبٍ حدَّثني هشام بن سعدٍ عن زيد بن أسلبم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال‏:‏ ‏"‏إنَّ الصَّدقة لا تحل لغنيٍّ إلا لخمسةٍ‏:‏ لمشتريها؛ والعامل عليها؛ والغازي في سبيل الله؛والغارم؛ ورجلٍ كان له جارٌ مسكين، ثم رواه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد مرفوعًا، ولم يسق لفظه، وإنما أحال على السابق فقال‏:‏ ‏(‏بمعناه‏)‏‏.‏

فأُعْطِي منها، فأهدى له منها‏"‏‏.‏

1671- وقال الإمام أحمد بن حنبل‏:‏ حدَّثنا عبد الرَّزاق أنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال‏:‏ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏لا تحلُّ الصَّدقة لغنيٍّ إلا لخمسةٍ‏:‏ لعاملٍ عليها؛ أو رجلٍ اشتراها بماله؛ أو غارمٍ؛ أو غازٍ في سبيل الله؛ أو مسكينٍ تُصدِّق عليه منها، فأهدى منها لغنيٍّ‏"‏‏.‏

ورواه إسحاق بن راهويه في ‏"‏ مسنده ‏"‏ عن سفيان عن زيد بن أسلم، ورواه عن عبد الرَّزَّاق عن معمر عن زيدٍ‏.‏

ورواه أبو داود عن الحسن بن عليٍّ، ورواه ابن ماجة عن محمَّد بن يحيى الذُّهْلِيِّ، كلاهما عن عبد الرَّزَّاق بإسناده متصلاً‏.‏

ورواه أبو داود عن القَعْنبيِّ عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أنَّ رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال‏.‏

مرسلاً‏.‏

وقال‏:‏ رواه ابن عيينة عن زيد كما قال مالك، ورواه الثَّوريُّ عن زيدٍ قال‏:‏ حدَّثني الثَّبت عن النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

وسئل عنه الدَّارَقُطْنِيُّ فقال‏:‏ حدَّث به عبد الرَّزَّاق عن معمر والثَّوريِّ

عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد‏.‏

قاله ابن عسكر عنه‏.‏

وقال غيره‏:‏ عن عبد الرَّزَّاق عن معمر وحده، وهو أصحُّ‏.‏

وروى هذا الحديث عبد الرَّحمن بن مهديٍّ عن الثَّوريِّ عن زيد بن أسلم قال‏:‏ حدَّثني الثبت عن النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يسمِّ رجلاً، وهو الصَّحيح O‏.‏

مسألة ‏(‏350‏)‏‏:‏ الحجُّ من السَّبيل، فيجوز دفع الزَّكاة فيه‏.‏

وعنه‏:‏ لا يجوز، كقول أكثرهم‏.‏

1672- قال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا عفَّان ثنا أبو عوانة ثنا إبراهيم بن مهاجر عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام قال‏:‏ أخبرني رسول مروان- الَّذي أرسل إلى أمِّ معقلٍ- قال‏:‏ ‏[‏قالت‏:‏‏]‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، إنَّ عَلَيَّ حجَّةٌ وإنَّ لأبي معقل بكرًا‏.‏

فقال‏:‏ صَدَقَت، جعلتُه في سبيل الله‏.‏

تال‏:‏ ‏"‏أعطها فلتحجَّ عليه، فإنَّه في سبيل الله‏"‏‏.‏

1673- وقال أبو داود‏:‏ حدَّثنا محمَّد بن عوفِ الطَّائيُّ ثنا أحمد بن خالدٍ الوَهْبيُّ ثنا محمَّد بن إسحاق عن عيسى بن معقل الأسديِّ قال‏:‏ حدَّثني يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدَّته أمِّ معقل قالت‏:‏ لمَّا حجَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجَّة الوداع، وكان لنا جملٌ، فجعله أبو معقلٍ في سبيل الله، فأصابنا مرضٌ، وهلك أبو معقل، وخرج النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلمَّا فرغ من حجَّته، جئته، فقال‏:‏ ‏"‏ما منعكِ أن تخرجي معنا‏؟‏ ‏"‏ قلت‏:‏ لقد تهيَّأنا فهلك أبو معقل، وكان لنا جملٌ فأوصى به أبو معقل في سبيل الله‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏فهلا خرجت عليه، فإنَّ الحجَّ في سبيل الله‏"‏‏.‏

ز‏:‏ وروى حديث أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام‏:‏ أبو داود عن أبي كامل عن أبي عوانة‏.‏

ورواه النَّسائيُّ عن محمَّد بن رافع عن عبد الرَّزَّاق عن معمر عن الزُّهريِّ عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن عن امرأةٍ من بني أسد- يقال لها‏:‏ أمُّ معقلٍ- نحوه‏.‏

وقد رواه النَّسائيُّ أيضًا من رواية أبي بكر عن أبي معقل، فيكون مرسلاً، والله أعلم O‏.‏

مسألة ‏(‏351‏)‏‏:‏ الزَّكاة إذا وجبت في الحياة لم تسقط بالموت‏.‏

وقال أبو حنيفة ومالك‏:‏ تسقط بالموت، ولا يلزم الورثة إخراجها‏.‏

لنا‏:‏

قوله عليه السَّلام‏:‏ ‏"‏فدَين الله أحقُّ بالقضاء‏"‏‏.‏

وسيأتي بإسناده في الحجِّ وغيره- إن شاء الله-‏.‏

كتاب الصَّيام

‏[‏مسائل في الصيام‏]‏

مسألة ‏(‏352‏)‏‏:‏ لا يجوز صوم رمضان بنيَّة من النَّهار‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ يجوز‏.‏

لنا ثلاثة أحاديث‏:‏ 1674- الحديث الأوَّل‏:‏ قال الدَّارَقُطْنِيُّ‏:‏ ثنا أبو بكر أحمد بن محمَّد ابن موسى بن أبي حامد ثنا رَوْح بن الفرج ثنا عبد الله بن عبَّاد ثنا المفضَّل بن فضالة قال‏:‏ حدَّثني يحيى بن أيُّوب عن يحيى بن سعيد عن عَمرة عن عائشة عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال‏:‏ ‏"‏من لم يبيِّت الصِّيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له‏"‏‏.‏

قال الدَّارَقُطْنِيُ‏:‏ كلُّهم ثقاتٌ‏.‏

1675- الحديث الثَّاني‏:‏ قال الدَّارَقُطْنِيُّ‏:‏ وحدَّثنا أبو بكر النَّيسابوريُّ ثنا يونس بن عبد الأعلى أنا ابن وهبٍ ثنا يحيى بن أيُّوب عن عبد الله بن أبي بكلر عن ابن شهابٍ عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن حفصة عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال‏:‏ ‏"‏من لم يُجمع الصِّيام قبل الفجر فلا صيام له‏"‏‏.‏

فإن قالوا‏:‏ هذا الحديث قد رواه جماعة موقوفًا، وإنَّما رفعه عبد الله بن أبي بكر‏.‏

قلنا‏:‏ الرَّاوي قد يسند الحديث، وقد يفتي به، وقد يرسله، وعبد الله من الثِّقات الرُّفعاء، والرَّفع زيادة، فهي من الثِّقة مقبولةٌ‏.‏

ز‏:‏ الحديث الأوَّل‏:‏ غريبٌ، ولا يثبت مرفوعًا‏.‏

قال الدَّارَقُطْنِيُّ‏:‏ تفرَّد به عبد الله بن عبَّاد عن المفضَّل بهذا الإسناد، وكلُّهم ثِقَاتٌ‏.‏

وفي قوله نَظَرٌ، فإنَّ عبد الله بن عبَّادٍ‏:‏ غير مشهورٍ، ويحيى بن أيُّوبٍ‏:‏ ليس بالقويِّ، وقد اختلف عليه فيه- كما سيأتي-‏.‏

وقال أبو حاتم بن حِبَّان‏:‏ عبد الله بن عبَّاد البصريُّ، شيخٌ سكن مصر، يقلب الأخبار، روى عن المفضَّل بن فَضَالة عن يحيى بن أيُّوب عن يحيى ابن سعيدٍ عن عَمْرة عن عائشة عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال‏:‏ ‏"‏من لم يبيِّت الصِّيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له‏"‏‏.‏

وهذا مقلوبٌ، إنَّما هو عند يحيى بن أيُّوب عن عبد الله بن أبي بكر عن الزُّهريِّ عن سالم عن أبيه عن حفصة- فيما يشبه هذا-‏.‏

روى عنه روح بن الفرج أبو الزِّنبَّاع نسخةٌ موضوعةٌ‏.‏

والحديث الثَّاني- حديث حفصة-‏:‏ الصَّحيح وقفه كما نصَّ عليه الحُذَّاق من الأئمة‏.‏

قال البيهقيُّ فيه‏:‏ هذا حديثٌ قد اختلف على الزُّهريِّ في إسناده، وفي رفعه إلى النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه، وهو من الثِّقات الأثبات‏.‏

وقال الدَّارَقُطْنِيُّ‏:‏ رفعه عبد الله بن أبي بكر‏.‏

وهو من الثِّقات الرُّفعاء‏:‏

1676- وقال الإمام أحمد بن حنبل في ‏"‏ المسند ‏"‏‏:‏ ثنا حسن بن موسى ثنا ابن لهيعة ثنا عبد الله بن أبي بكر عن ابن شهابٍ عن سالم عن حفصة عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال‏:‏ ‏"‏من لم يُجمع الصِّيام مع الفجر فلا صيام له‏"‏‏.‏

وقال النسائيُّ في ‏"‏ السُّنن الكبير ‏"‏‏:‏ ذكر اختلاف النَّاقلين لخبر حفصة‏.‏

1677- أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار ثنا سعيد بن شُرَحْبيل أنا الليث عن يحيى بن أيُّوب عن عبد الله بن أبي بكرٍ عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر عن حفصة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال‏:‏ ‏"‏من لم يبيِّت الصِّيام قبل الفجر فلا صيام له‏"‏‏.‏

1678- أخبرنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعدٍ قال‏:‏ حدَّثني أبي عن جدِّي قال‏:‏ حدَّثني يحيى بن أيُّوب عن عبد الله بن أبي بكر عن ابن شهابٍ عن سالمٍ عن عبد الله عن حفصة عن النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال‏:‏ ‏"‏من لم يبيِّت الصِّيام قبل الفجر فلا صيام له‏"‏‏.‏

1679- أخبرني محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم عن أشهب قال‏:‏ أخبرني يحيى بن أيوب- وذكر آخر- أنَّ عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم حدَّثهما عن ابن شهابٍ عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن حفصة عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال‏:‏ ‏"‏من لم يُجمع الصِّيام قبل طلع الفجر فلا يصم‏"‏‏.‏

1680- أخبرنا أحمد بن الأزهر ثنا عبد الرَّزَّاق عن ابن جريج عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر عن حفصة أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال‏:‏ ‏"‏من لم يبيِّت الصِّيام من الليل فلا صيام له‏"‏‏.‏

1681- أخبرنا محمَّد بن عبد الأعلى ثنا معتمر قال‏:‏ سمعت عبيد الله عن ابن شهابٍ عن سالم عن عبد الله عن حفصة أنَّها كانت تقول‏:‏ من لم يُجمع الصَّوم من الليل فلا يصم‏.‏

1682- أخبرنا الرَّبيع بن سليمان ثنا ابن وهبٍ قال‏:‏ أخبرني يونس عن ابن شهابٍ قال‏:‏ أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال‏:‏ قالت حفصة- زوج النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-‏:‏ لا صيام لمن لم يجمع قبل الفجر‏.‏

1683- أخبرني زكريا بن يحيى ثنا الحسن بن عيسى- وهو ابن ماسَرْجِس- أنا ابن المبارك أنا معمر عن الزُّهريِّ عن حمزة بن عبد الله عن عبد الله بن عمر عن حفصة قالت‏:‏ لا صيام لمن لم يجمع قبل الفجر‏.‏

1684- أخبرنا محمَّد بن حاتم أنا حِبَّان أنا عبد الله عن سفيان بن عيينة ومعمر عن الزُّهريِّ عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن حفصة قالت‏:‏ لا صيام لمن لم يجمع الصِّيام قبل الفجر‏.‏

1685- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنا سفيان عن الزُّهريِّ عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن حفصة‏:‏ لا صيام لمن لم يجمع الصِّيام قبل الفجر‏.‏

1686- أخبرنا أحمد بن حرب ثنا سفيان عن الزُّهريِّ عن حمزة بن عبد الله عن حفصة قالت‏:‏ لا صيام لمن لم يجمع الصِّيام قبل الفجر‏.‏

قال أبو عبد الرَّحمن النَّسائيُّ‏:‏ والصَّواب عندنا موقوفٌ، ولم يصحَّ رفعه- والله أعلم-، لأنَّ يحيى بن أيُّوب ليس بذاك القويِّ، وحديث ابن جريجٍ عن الزُّهريِّ غير محفوظٍ، والله أعلم‏.‏

أرسله مالك‏:‏ 1687- الحارث بن مسكين قراءةً عليه عن ابن القاسم قال‏:‏ حدَّثني مالك عن ابن شهاب عن عائشة وحفصة مثل‏:‏ لا يصوم إلا من أجمع الصِّيام قبل الفجر‏.‏

ورواه نافع عن ابن عمر قوله‏:‏

1688- الحارث بن مسكين قراءةً عليه عن ابن القاسم قال‏:‏ حدَّثني مالكٌ عن نافع عن ابن عمر أنَّه كان يقول‏:‏ لا يصوم إلا من أجمع الصِّيام قبل الفجر‏.‏

1689- أخبرنا محمَّد بن عبد الأعلى ثنا المعتمر قال‏:‏ سمعت عبيد الله عن نافع عن عبد الله قال‏:‏ إذا لم يجمع الرَّجل الصَّوم من الليل فلا يصوم‏.‏

وقد روى حديث عبد الله عن حفصة مرفوعًا‏:‏ أبو داود عن أحمد بن صالح عن ابن وهبٍ عن ابن لهيعة ويحيى بن أيُّوب عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم عن ابن شهابٍ عن سالمٍ عن أبيه‏.‏

ورواه التِّرمذيُّ عن إسحاق بن منصور عن سعيد بن أبي مريم عن يحيى ابن أيُّوب عن عبد الله بن أبي بكر بإسناده مثله‏.‏

وقال‏:‏ لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافعٍ عن ابن عمر قوله، وهو أصحُّ‏.‏

ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد عن إسحاق ابن حازم عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حَزْم عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر عن حفصة مرفوعًا‏.‏

وقال الميمونيُّ‏:‏ قلت‏:‏ لأبي عبد الله- يعني أحمد بن حنبل-‏:‏ كيف إسناد حديث النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏لا صوم لمن لم يجمع الصِّيام‏؟‏ قال‏:‏ أخبرك، ما له عندي ذاك الإسناد، إلا أنَّه عن ابن عمر وحفصة إسنادان جيِّدان‏.‏

وقال الأثرم‏:‏ سمعت أبا عبد الله- وذكر قول ابن عمر وحفصهْ‏:‏ لا صيام لمن لم يجمع الصِّيام قبل الفجر- قلت له‏:‏ قد رفعه يحيى بن أيُّوب المصريُّ عن عبد الله بن أبي بكر عن الزُّهريِّ عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

فكأنَّه لم يثبته‏.‏

وقال عبد الرَّحمن بن أبي حاتم‏:‏ سألت أبي عن حديثٍ رواه معن القزَّاز عن إسحاق بن حازم عن عبد الله بن أبي بكر عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال‏:‏ ‏"‏لا صيام لمن لم ينو من الليل‏"‏‏.‏

ورواه يحيى بن أيُّوب عن عبد الله بن أبي بكر عن الزُّهريِّ عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

قلت لأبي‏:‏ أيُّهما أصحُّ‏؟‏ قال‏:‏ لا أدري، لأنَّ عبد الله بن أبي بكر قد أدرك سالمًا وروى عنه، ولا أدري هذا الحديث ممَّا سمع من سالم، أو سمعه من الزُّهريِّ عن سالم؛ وقد روي عن الزُّهريِّ عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن حفصة قولها غير مرفوع، وهذا عندي أشبه، والله أعلم O‏.‏

1690- الحديث الثَّالث‏:‏ قال الدَّارَقُطْنِيُّ‏:‏ وحدَّثنا محمَّد بن مخلد ثنا إسحاق بن أبي إسحاق ثنا الواقديُّ ثنا محمَّد بن هلال عن أبيه أنَّه سمع ميمونة بنت سعدٍ تقول‏:‏ سمعت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول‏:‏ ‏"‏من أجمع الصَّوم من الليل فليصم، ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم‏"‏‏.‏

قال المؤلِّف‏:‏ الواقديُّ ضعيفٌ‏.‏

احتجُّوا بحديثين‏:‏ 1691- أحدهما‏:‏ أنَّهم رووا أن أعرابيًّا شهد عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برؤية الهلال، فأمر مناديه أن ينادي‏:‏ ‏"‏من أكل فليمسك، ومن لم يأكل فليصم‏"‏‏.‏

وهذا لا يعرف، وإنَّما المعروف أنَّه شهد عنده برؤية الهلال، فأمر أن يُنادى في النَّاس أن يصوموا غدًا‏.‏

وسيأتي هذا بإسناده- إن شاء الله-‏.‏

وقد رواه الدَّارَقُطْنِيُّ بلفظٍ صريحٍ‏:‏ أنَّ أعرابيًا جاء ليلة رمضان‏.‏

فذكر الحديث‏.‏

1692- الحديث الثَّاني‏:‏ قال البخاريُّ‏:‏ ثنا مكيُّ بن إبراهيم ثنا يزيد عن سلمة بن الأكوع قال‏:‏ أمر النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلاً من أسلم أن أذِّن في النَّاس‏:‏ أنَّ من كان أكل فليصم بقيَّة يومه، ومن لم يكن كل فليصم، فإنَّ اليوم يومُ عاشوراء‏.‏

أخرجاه في ‏"‏ الصَّحيحين‏"‏‏.‏

فحجَّتهم أنَّه أمر بالصَّوم في أثناء النَّهار، فدلَّ على أنَّ النِّيَّة تجوز بالنَّهار‏.‏

وجوابه‏:‏ أنَّ صوم عاشوراء لم يكن واجبًا، فله حكم النافلة، يدلُّ عليه‏:‏ 1693- ما روى الإمام أحمد قال‏:‏ حدَّثنا عبد الرَّزَّاق ثنا معمر عن الزُّهريِّ قال‏:‏ حدَّثني حُميد بن عبد الرَّحمن بن عوف أنَّه سمع معاوية يخطب بالمدينة يقول‏:‏ يا أهل المدينة، أين علماؤكم‏؟‏‏!‏ سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول‏:‏ ‏"‏هذا يوم عاشوراء، ولم يفرض علينا صيامه، فمن شاء منكم أن يصوم فليصم، فإني صائم‏"‏‏.‏

فصام النَّاس‏.‏

أخرجاه في ‏"‏ الصَّحيحين‏"‏‏.‏

ز‏:‏ أكثر الأحاديث تدلُّ على أنَّ صوم عاشوراء كان واجبًا ثمَّ نسخ‏.‏

1694- كحديث عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصومه، فلمَّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلمَّا فرض رمضان قال‏:‏ ‏"‏من شاء صامه، ومن شاء تركه‏"‏‏.‏

أخرجاه في ‏"‏ الصَّحيحين‏"‏‏.‏

1695- وأخرجا أيضًا حديث ابن عبَّاس قال‏:‏ قدم النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال‏:‏ ‏"‏ما هذا‏؟‏ ‏"‏ ‏[‏قالوا‏:‏‏]‏ يومٌ صالح نجَّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى‏.‏

فقال‏:‏ ‏"‏أنا أحقُّ بموسى منكم‏"‏‏.‏

فصامه وأمر بصيامه‏.‏

وقال القاضي أبو يعلى‏:‏ لم يكن صوم عاشوراء واجبًا لحديث معاوية المتقدِّم؛ ولأنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر من لم يأكل بالصَّوم، والنِّيَّة في الليل شرطٌ في الواجب؛ ولأنَّه لم يأمر من أكل بالقضاء‏.‏

وأجيب عن حديث معاوية‏:‏ بأنَّه محمولٌ على أنَّه ليس مكتوبًا عليكم الآن، أو لم يُكتب عليكم بعد أن فُرض رمضان‏.‏

وهذا ظاهرٌ، فإنَّ معاوية من مسلمة الفتح، وهو إنَّما سمعه من النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعدما أسلم في سنة تسع أو عشر، بعد أن نسخ صوم عاشوراء، فإنَّه نسخ بعد أن فرض رمضان، ورمضان فرض في السَّنة الثَّانية‏.‏

وأجيب عن تصحيحه بنيَّةٍ من النَّهار وترك الأمر بقضائه‏:‏ بأن من لم يدرك اليوم بكماله لم يلزمه قضاؤه، كما قيل في من أسلم وبلغ في أثناء يومٍ من رمضان، على أنَّه قد رُوي الأمر بالقضاء في حديثٍ غريبٍ‏:‏ 1696- قال أبو داود‏:‏ حدَّثنا محمَّد بن المنهال ثنا يزيد ثنا سعيد عن قتادة عن عبد الرَّحمن بن مسلمة عن عمِّه أنَّ أسلم أتت النَّبيّّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال‏:‏ ‏"‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صمتم يومكم هذا‏؟‏ ‏"‏ قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فأتمُّوا بقيَّة يومكم واقضوه‏"‏‏.‏

هذا الحديث مختلفٌ في إسناده ومتنه، وفي صحَّته نظرٌ والله أعلم O‏.‏

مسألة ‏(‏353‏)‏‏:‏ يصحُّ صوم التَّطوُّع بنيَّةٍ من النَّهار‏.‏

وقال مالكٌ وداود‏:‏ لا يصحُّ‏.‏

1697- ما روى أبو داود قال‏:‏ حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا وكيع عن طلحة بن يحيى عن عاثشة بنت طلحة عن عائشة قالت‏:‏ كان النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل عَلَيَّ قال‏:‏ ‏"‏هل عندكم طعامٌ‏؟‏‏"‏‏.‏

فإذا قلنا‏:‏ لا، قال‏:‏ ‏"‏إنِّي صائمٌ‏"‏‏.‏

فدخل علينا يومًا، فقلت‏:‏ يا رسول الله أهدي لنا حسيسٌ فحبسناه لك‏.‏

فقال‏:‏ ‏"‏ادنيه‏"‏‏.‏

فأصبح صائمًا وأفطر‏.‏

ز‏:‏ وقد روى هذا الحديث مسلم والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ- وقال‏:‏ حسنٌ- من حديث طلحة بن يحيى‏.‏

ورواه النَّسائيُّ أيضًا من رواية‏:‏ طلحة عن عائشة ومجاهد عن عائشة‏.‏

ورواه من رواية إسرائيل عن سماك بن حرب عن رجلٍ عن عائشة بنت طلحة، والله أعلم O‏.‏

مسألة ‏(‏354‏)‏‏:‏ إذا حال دون مطلع الهلال غيمٌ أو قَتَرٌ ليلة الثَّلاثين من شعبان، فعن أحمد ثلاث روايات‏:‏ إحداهن‏:‏ أنَّه يجب صوم الثَّلاثين بنيَّةٍ من رمضان‏.‏

وهذا مذهب عمر وعليٍّ وابن عمر ومعاوية وعمرو بن العاص وأنس وأبي هريرة وعائشة وأسماء؛ وقال به من كبار التَّابعن‏:‏ طاوس ومجاهد وسالم وبكر بن عبد الله ومطرِّف وميمون بن مهران في آخرين‏.‏

فعلى هذه الرِّواية‏:‏ هل يجوز أن يسمَّى يوم شكٍّ‏؟‏ فيه روايتان‏:‏ إحداهما‏:‏ لا يسمَّى يوم شكٍّ، بل هو يومٌ من رمضان من طريق الحُكْم، وهو ظاهر ما نقله مُهَنَّا، وبه قال الخلال والأكثرون من أصحابنا، فعلى هذا لا يتوجَّه النَّهي عن صوم الشَّكِّ إليه‏.‏

والثَّانية‏:‏ أنَّه يسمَّى يوم شكٍّ، نقلها المرُّوذِيُّ، فعلى هذا يرجح جانب التَّعبُّد وإن كان شكّا‏.‏

والأولى أصحُّ‏.‏

فإن قيل‏:‏ فما يوم الشَّكِّ‏؟‏ قلنا‏:‏ قد فسَّره الإمام أحمد فقال‏:‏ يوم الشَّكِّ أن يتقاعد النَّاس عن طلب الهلال، أويشهد برؤيته من يَردُّ الحاكم شهادته‏.‏

والرِّواية الثَّانية في المسألة ‏(‏‏)‏‏:‏ لا يجوز صيامه من رمضان ولانفلاً، بل يجوز‏:‏ قضاءً وكفَّارةً ونذرًا ونفلاً يوافق عادةً، وهذا قول الشَّافعيِّ‏.‏

والرِّواية الثَّالثة‏:‏ أنَّ المرجع إلى رأي الإمام في الصَّوم والفطر، وبهذه قال الحسن وابن سيرين‏.‏

وقال أبو حنيفة ومالك‏:‏ لا يجوز صيامه من رمضان، ويجوز صيامه ما سوى ذلك‏.‏

ووجه الرِّواية الأولى‏:‏ 1698- ما روى الإمام أحمد بن حنبل قال‏:‏ ثنا إسماعيل ثنا أيُّوب عن نافع عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏"‏ إنَّما الشَّهر تسعٌ وعشرون، فلا تصوموا حتَّى تروه، ولا تفطروه حتَّى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له‏"‏‏.‏

قال نافع‏:‏ فكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر، فإن رؤي فذاك، وإن لم ير ولم يَحُل دون مَنْظَرِه سحابٌ ولا قَتَرٌ أصبح مفطرًا، وإن حال دون مَنْظَره سحابٌ أو قَتَرٌ أصبح صائمًا‏.‏

أخرجاه في ‏"‏ الصَّحيحين‏"‏، وأ يذكرا فعل ابن عمر‏.‏

واحتجاج أصحابنا من هذا الحديث من وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ فعل ابن عمر، فإنَّ أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعلم بمراده، فنحن نرجع إليه كما رجعنا في خيار المجلس، فإنَّه ‏[‏كان‏]‏ يفارق صاحبه ليتمَّ البيع‏.‏

والثَّانية‏:‏ أنَّ معنى‏:‏ ‏"‏اقدروا له ‏"‏‏:‏ ضيِّقوا له عددًا يطلع في مثله، وذلك يكون لتسعٍ وعشرين، ومن هذا قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ‏}‏ ‏[‏الطَّلاق‏:‏ 7‏]‏‏.‏

أي‏:‏ ضُيِّق عليه‏.‏

قالوا‏:‏ فقد روي عن ابن عمر ضدُّ هذا‏:‏

1699- أنبأنا محمَّد بن عبد الباقي البَزَّارُ أنبأنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكيُّ ثنا محمَّد بن العبَّاس بن الفرات أنا حمزة بن القاسم ثنا حنبل بن إسحاق قال‏:‏ حدَّثني أحمد بن حنبل ثنا وكيع عن سفيان عن عبد العزيز بن حكيم الحضرميِّ قال‏:‏ سمعت ابن عمر يقول‏:‏ لو صمت السنَّة كلَّها لأفطرت اليوم الذي يشكُّ فيه‏.‏

قلنا‏:‏ جوابه من وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ أنَّه لا يصحُّ، وقد ضعَّف أبو حاتم الرَّازيُّ عبدَ العزيز بن حكيمٍ‏.‏

والثَّاني‏:‏ أنَّ هذا ليس بيوم شكٍ- على ما سبق بيانه-‏.‏

ز‏:‏ عبد العزيز بن حكيمٍ‏:‏ صدوقٌ، قال إسحاق بن منصور عن يحيى ابن معين‏:‏ عبد العزيز بن حكيمٍ الحضرميُّ ثقةٌ‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ سألت أبي عن عبد العزيز بن حكيمٍ الحضرميِّ فقال‏:‏ ثقةٌ‏.‏

كذا ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنَّه وثَّقه، ثمَّ قال‏:‏ سألت أبي عن عبد العزيز بن حكيمٍ الحضرميِّ الكوفيِّ فقال‏:‏ ليس بقويٍّ، يكتب حديثه‏.‏

فيحتمل أن يكون سأله مرَّتين، ويحتمل أن يكون ذلك غلطًا في النُّسخة، والله أعلم O‏.‏

أمَّا حجتهم، فلهم سبعة أحاديث‏:‏ 1700- الحديث الأوَّل‏:‏ قال البخاريُّ‏:‏ حدَّثنا آدم ثنا شعبة ثنا محمَّد ابن زياد قال‏:‏ سمعت أبا هريرة يقول‏:‏ قال النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبِّي عليكم فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين‏"‏‏.‏

انفرد بإخراجه البخاريُّ‏.‏

والجواب‏:‏ أنَّ أبا بكر الإسماعيليَّ ذكر هذا في ‏"‏ صحيحه ‏"‏ الذي خرَّجه على البخاريَّ‏:‏ 1701- أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار أنا أبي ثنا أبو بكر البَرْقَانيُّ ثنا أحمد بن إبراهيم الإسماعيليُّ ثنا الحسن بن علويه ثنا بُنْدَار ثنا غُنْدَر ثنا شعبة عن محمَّد بن زياد قال‏:‏ سمعت أبا هريرة يقول‏:‏ قال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏لا تصوموا حتَّى تروا الهلال، ولا تفطروا حتَّى ترو الهلال، فإن غُمَّ عليكم فعدُّوا ثلاثين‏"‏‏.‏

قال الإسماعيليُّ‏:‏ قد رواه البخاريُّ عن آدم عن شعبة، فقال فيه‏:‏ ‏"‏فاكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وقد رويناه عن غُنْدَر وعبد الرَّحمن بن مهدي وابن عُليَّة وعيسى ابن يونس وشَبَابة وعاصم بن عليٍّ والنَّضر بن شُميل ويزيد بن هارون وابن داود وآدم كلّهم عن شعبة، لم يذكر أحدٌ منهم‏:‏ ‏"‏فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وهذا يجوز أن يكون من آدم رواه على التَّفسير من عنده للخبر، وإلا فليس لانفراد البخاريِّ عنه بهذا من بين من رواه عنه، ومن بين سائر من ذكرنا ممن يرويه عن شعبة وجهٌ‏.‏

ورواه المقرىء عن ورقاء عن شعبة على ما ذكرنا أيضًا‏.‏

قال المؤلِّف‏:‏ قلت‏:‏ فعلى هذا يكون المعنى‏:‏ فإن غُمَّ عليكم رمضان فعدُّوا ثلاثين؛ وعلى هذا لا يبقى لهم حجَّةٌ في الحديث، على أنَّ أصحابنا قد تأوَّلوا ما انفرد به البخاريُّ من ذكر شعبان، فقالوا‏:‏ نحمله على ما إذا غُمَّ هلال رمضان وهلال شوَّال، فإنَّا نحتاج إلى إكمال شعبان ثلاثين احتياطًا للصَّوم، فإنَّا وإن كنَّا قد صمنا يوم الثَّلاثين من شعبان فليس بقطعٍ منَّا على أنَّه رمضان، إنَّما صمناه حكمًا‏.‏

1702- الحديث الثَّاني‏:‏ قال مسلم بن الحجَّاج‏:‏ ثنا عبيد الله بن معاذ ثنا أبي ثنا شعبة عن محمَّد بن زياد قال‏:‏ سمعت أبا هريرة يقول‏:‏ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم الشَّهر فعدُّوا ثلاثين‏"‏‏.‏

انفرد بإخراجه مسلمٌ‏.‏

والجواب‏:‏ أنَّ المراد‏:‏ فإن غُمَّ في رمضان، فعدُّوا رمضان ثلاثين؛ يدلُّ عليه شيئان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنَّ الكناية ترجع إلى أقرب المذكورَين، وأقربهما‏:‏ ‏"‏وأفطروا لرؤيته‏"‏‏.‏

والثَّاني‏:‏ أنَّ قد روي مفسَّرًا‏:‏ 1703- قال الإمام أحمد بن حنبل‏:‏ ثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزُّهريِّ عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا‏"‏‏.‏

انفرد بإخراجه مسلمٌ‏.‏

1704- الحديث الثَّالث‏:‏ قال الدَّارَقُطنِيُّ‏:‏ حدَّثنا محمَّد بن موسى بن سهل ثنا يوسف بن موسى ثنا جرير عن منصور عن ربعي عن حذيفة قال‏:‏ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏لا تقدّموا الشَّهر حتَّى تروا الهلال و تكملوا العدَّة قبله، ثمَّ صوموا حتَّى تروا الهلال أو تكملوا العدَّة قبله‏"‏‏.‏

ورواه منصور عن ربعي عن بعض أصحاب النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال‏:‏ ‏"‏لا تصوموا حتَّى تروا الهلال، ‏[‏أو تكملوا العِدَّة ثلائين، ثُمَّ تصوموا، ولا تفطروا حتَّى تروا الهلال،‏]‏ أو تتمُّوا وتكملوا العدَّة ثلاثين‏"‏‏.‏

والجواب‏:‏ أنَّ أحمد ضعَّف حديث حذيفة وقال‏:‏ ليس ذكر حذيفة فيه بمحفوظٍ‏.‏

ثمَّ هو محمولٌ على حالة الصَّحو، لأنَّه لم يذكر فيه الغيم، وقد حمله أصحابنا على ما إذا غُمَّ هلال رمضان وهلال شوَّال- على ما سبق-‏.‏

1705- الحديث الرابع‏:‏ قال الدَّارَقُطْنِيُّ‏:‏ حدَّثنا عبد الله بن محمَّد بن زيادٍ ثنا عبد الرَّحمن بن بشر بن الحكم ثنا عبد الرَّحمن بن مهديٍّ عن معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيسٍ عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتحفَّظ من هلال شعبان ما لا يتحفَّظ من غيره، ثُمَّ يصوم رمضان لرؤيته، فإن غُمَّ عليه عدَّ ثلاثين يومًا ثمَّ صام‏.‏

قال الدَّارَقُطْنِيُّ‏:‏ هذا إسنادٌ صحيحٌ‏.‏

قال المؤلِّف‏:‏ قلت‏:‏ وهذه عصبيَّةٌ من الدَّارَقُطْنِيِّ، كان يحيى بن سعيد لا يرضى معاوية بن صالحٍ، وقال أبو حاتم الرَّازيُّ‏:‏ لا يحتجُّ به‏.‏

والذي حُفظ في هذا‏:‏ ‏"‏فعدُّوا ثلاثين ثمَّ أفطروا ‏"‏‏:‏ 1706- قال الدَّارَقُطْنِيُّ‏:‏ وحدَّثنا ابن صاعد ثنا محمَّد بن زُنْبُور المكيُّ ثنا إسماعيل بن جعفر ثنا محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال‏:‏ ‏"‏صوموا لروًيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فعدُّوا ثلاثين ثمَّ أفطروا‏"‏‏.‏

‏[‏و‏]‏ رواه أبو بكر بن عيَّاش وأسامة بن زيدٍ عن محمَّد بن عمرو بهذا‏.‏

قال الدَّارَقُطْنِيُ‏:‏ وهي أسانيد صحاح‏.‏

وقد ذكرنا من حديث أبي هريرة‏:‏ ‏"‏فصوموا ثلاثين‏"‏‏.‏

1707- الحديث الخامس‏:‏ قال التِّرمذيُّ‏:‏ حدَّثنا أبو سعيد عبد الله ابن سعيدٍ الأشَجُ ثنا أبو خالدٍ الأحْمر عن عمرو بن قيسٍ عن أبي إسحاق عن صِلَة بن زُفَر قال‏:‏ كنَّا عند عمَّار بن ياسرٍ فأُتِيَ بشاةٍ مَصْلِيَّةِ، فقالوا‏:‏ كلوا‏.‏

فتنحَّى بعض القوم، فقال‏:‏ إنِّي صائمٌ‏.‏

فقال عمَّار‏:‏ من صام اليوم الذي يُشكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

قال التِّرمذيُّ‏:‏ هذا حديثٌ صحيحٌ‏.‏

1708- الحديث السَّادس‏:‏ قال الدَّارَقُطْنِيُّ‏:‏ ثنا محمَّد بن عمرو بن البَخْتَري ثنا أحمد بن الخليل ثنا الواقديُّ ثنا داود بن خالد بن دينار ومحمَّد بن مسلم عن المقبريِّ عن أبي هريرة قال‏:‏ نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن صوم ستَّة أيَّام‏:‏ اليوم الذي يُشكُّ فيه من رمضان، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيَّام التَّشريق‏.‏

والجواب‏:‏ أنَّا قد بيَّنَّا أنَّ هذا اليوم ليس بيوم شكٍّ‏.‏

1709- الحديث السَّابع‏:‏ أنبأنا محمَّد بن عبد الملك بن خيرون أنبأنا أحمد بن عليّ بن ثابتٍ الخطيب قال‏:‏ أخبرني عبيد الله بن أبي الفتح أنا أبو بكر ابن شاذان ثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلديُّ قال‏:‏ حدَّثني هاشم بن القاسم الحرَّانيُّ ثنا يعلى بن الأشدق عن عبد الله بن جراد قال‏:‏ أصبحنا يوم الثَّلاثين صيامًا، وكان الشَّهر قد أغمي علينا، فأتينا النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأصبناه مفطرًا، فقلنا‏:‏ يا نبيَّ الله صمنا اليوم‏.‏

فقال‏:‏ ‏"‏افطروا إلا أن يكون رجلٌ يصوم هذا اليوم فليتمَّ صومه، لأن أفطر يومًا من رمضان يُتمارى فيه، أحبُّ إليَّ من أن أصوم يرومًا من شعبان ليس منه ‏"‏ يعني‏:‏ ليس من رمضان‏.‏

قال الخطيب‏:‏ ففي هذا الحديث كفايةٌ عمَّا سواه‏.‏

قال المؤلِّف‏:‏ قلت‏:‏ لا تكون عصبيَّةٌ أبلغ من هذا‏!‏ فليته روى الحديث وسكت، فأمَّا أن يعلم عيبه ولا يذكره، ثمَّ يمدحه ويثني عليه ويقول‏:‏ فيه كفاية عمَّا سواه‏.‏

فهذا ممَّا أزرى به على علمه، وأثَّر به في دينه، أتُراه ما علم أنَّ أحدًا يعرف قبح ما أتى‏؟‏‏!‏ كيف وهذا الأمر ظاهرٌ لكلِّ من شَدَا شيئًا من علم الحديث‏؟‏‏!‏ فكيف من أوغل فيه‏؟‏‏!‏ أتُراه ما علم أنَّه في الصَّحيح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال‏:‏ ‏"‏من روى حديثًا يُرى أنَّه كذبٌ فهو أحد الكاذبِينَ ‏"‏‏؟‏‏!‏ وهذا الحديث موضوعٌ على ابن جراد، لا أصل له عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا ذكره أحدٌ من الأئمة الذين جمعوا السُّنن، وترخَّصوا في ذكر الأحاديث الضِّعاف، وإنَّما هو مذكورٌ في نسخة يعلى بن الأشدق عن ابن جراد، وهي نسخةٌ موضوعةٌ، قال أبو زرعة الرَّازيُّ‏:‏ يعلى بن الأشدق ليس بشيءٍ‏.‏

وقال أبو أحمد بن عديٍّ الحافظ‏:‏ روى يعلى بن الأشدق عن عمِّه عبد الله بن جراد عن النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحاديث كثيرةً منكرةً، وهو وعمُّه غير معروفين‏.‏

وقال البخاريُّ‏:‏ يعلى لا يكتب حديثه‏.‏

وقال أبو حاتم بن حِبَّان الحافظ‏:‏ لقي يعلى عبدَ الله بن جراد، فلمَّا كبر اجتمع عليه من لا دين له، فوضعوا له شبيهًا بمائتي حديث، نسخة عن ابن جراد، فجعل يحدِّث بها وهو لا يدري، لا تحلُّ الرِّواية عنه بحالٍ‏.‏

قال المؤلِّف‏:‏ قلت‏:‏ وما كان هذا يخفى على الخطيب غير أنَّ العصبيَّة تغطِّي على الذِّهن، وإنَّما يُبَهْرج بما يخفى، ومثل هذا لا يخفى‏!‏ نعوذ بالله من غلبات الهوى‏.‏

ز‏:‏ الذي دلَّت عليه الأحاديث في هذه المسألة وهو مقتضى القواعد أنَّ أيَّ شهرٍ غُمَّ أكمل ثلاثين، سواء في ذلك شهر شعبان وشهر رمضان وغيرهما، وعلى هذا فقوله‏:‏ ‏"‏فإن غُمَّ عليكم فاكملوا العدَّة ‏"‏ يرجع إلى الجملتين- وهما‏:‏ قوله‏:‏ ‏"‏صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فاكملوا العدَّة ‏"‏- أي‏:‏ غُمَّ عليكم في صومكم أو فطركم، وهذا هو الظَّاهر من اللفظ، وباقي الأحاديث تدلُّ على هذا، كقوله‏:‏ ‏"‏فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له ‏"‏ وليس المراد‏:‏ ضيِّقوا، كما ظنَّه من ظنَّه من الأصحاب، بل المعنى‏:‏ احسبوا له قدره، فهو من‏:‏ قَدْر الشيء- وهو مبلغ كمِّيَّته-، لبس من‏:‏ التَّضييق في شيءٍ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وَمَن قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ‏)‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 7‏]‏هو من هذا، أي‏:‏ كان رزقه بقدر كفايته لا يفضل منه شيءٌ، ليس المراد ضيِّق عليه رزقه فلا يسعه، ولهذا قال‏:‏ ‏(‏فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ‏)‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 7‏]‏، ومن كان رزقه أقلَّ من كفايته فمِنْ أين ينفق‏؟‏‏!‏ والله تعالى يرزق العبد ما يسعه، ويرزقه ما يفضل عنه‏:‏ فالأوَّل هو الذي قدر عليه رزقه- أي‏:‏ قدَّر بكفايته-؛ والثَّاني‏:‏ هو الغنيُّ الموسَّع عليه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ‏)‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 87‏]‏ ليس من التَّضييق، وإنَّما هو من التَّقدير، والمعنى‏:‏ أن لن نُقدِّر عليه ما قدَّرناه من السِّجن في بطن الحوت، وهي لغتان‏:‏ قدَر وقدَّر عليه- بالتَّخفيف والتَّشديد-، قال الله تعالى‏:‏ أفَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ‏)‏ ‏[‏المرسلات‏:‏ 23‏]‏ قرأ نافع والكسائيُّ‏:‏ ‏(‏فقدَّرنا‏)‏- بالتثقيل- وخفَّف الباقون لقوله‏:‏ ‏(‏فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ‏}‏، ووجه التَّثقيل قوله‏:‏ ‏(‏مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَه‏)‏ ‏[‏عبس‏:‏ 19‏]‏ أجمع على تشديده، أي‏:‏ فنعم القادرون نحن على تقديره‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى‏)‏ ‏[‏الأعلى‏:‏ 3‏]‏ قرأ الجمهور بالتَّشديد، وقرأ الكسائيُّ بالتَّخفيف‏.‏

وقال الشَّاعر‏:‏ ولا عائذٌ ذاك الزَّمان الذي مضى تباركت ما تقدرُ يكن ولك الأمر أي‏:‏ ما تقدِّره يقع‏.‏

وهذا معنى تفسير السَّلف‏:‏‏(‏فَظَنَّ أَن لَن نَقْدِرَ عَلَيهِ‏)‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 87‏]‏‏:‏ أن لن نفعل به ما فعلناه‏.‏

والتَّضييق لازمٌ لمعنى التَّقدير، فإنَّه اذا أعطي قَدْره- لا أزيد ولا أنقص- فقد ضُيِّق أن يدخل فيه غيره أو يسعه سواه، فإذا جعل الشَّهر ثلاثين فقد قدر له قدرًا لم يدخل فيه غيره، والله أعلم‏.‏

وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب ‏"‏ المستخرج على مسلم ‏"‏ في قوله‏:‏ ‏"‏فاقدروا له ‏"‏‏:‏ أي‏:‏ اقصدوا بالنَّظر والطَّلب الموضع الذي تقدرون أنَّكم ترون فيه‏.‏

وهذا تفسيرٌ غريبٌ عجيبٌ‏!‏‏!‏ وما ذكره الإسماعيليُّ من الكلام على الحديث الذي رواه البخاريُّ ‏(‏وأنَّ آدم بن أبي إياس يجوز أن يكون رواه على التَّفسير من عنده للخبر‏)‏‏:‏ غير قادحٍ في صحَّة الحديث، لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إمَّا أن يكون قال اللفظين- وهذا مقتضى ظاهر الرِّواية-، وإمَّا أن يكون قال أحدهما وذكر الرَّاوي اللفظ الآخر بالمعنى، فإنَّ اللام في قوله‏:‏ ‏"‏فاكملوا العدَّة ‏"‏ للعهد- أي‏:‏ عدَّة الشَّهر-، وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يخصَّ شهرًا دون شهرٍ بالإكمال إذا غُمَّ، فلا فرق بين شعبان وغيره، إذ لو كان شعبان غير مرادٍ من هذا الإكمال لبيَّنه، لأنَّه ذكر الإكمال عقيب قوله‏:‏ ‏"‏صوموا‏.‏

وأفطروا‏"‏، فشعبان وغيره مرادٌ من قوله‏:‏ ‏"‏فأكملوا العدَّة‏"‏، فلا تكون رواية من روى‏:‏ ‏"‏فأكملوا عدَّة شعبان ‏"‏ مخالفًا لمن قال‏:‏ ‏"‏فأكملوا العدَّة ‏"‏ بل مبيِّنة لها، أحدهما أطلق لفظًا يقتضي العموم في الشَّهر، والثَّاني ذكر فردًا من الأفراد؛ ويشهد لهذا قوله‏:‏ ‏"‏فإن حال بينكم وبينه سحابٌ فكمِّلوا العدَّة ثلاثيِن، ولا تستقبلوا الشَّهر استقبالاً ‏"‏ وهذا صريحٌ في أنَّ التَّكميل لشعبان كما هو لرمضان، فلا فرق بينهما‏.‏

1710- قال أبو داود الطَّيالسيُّ‏:‏ حدَّثنا أبو عوانة عن سِماك عن عكرمة عن ابن عبَّاس أنَّ رسول الله عيهو قال‏:‏ ‏"‏صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه غمامةٌ أو ضبابةٌ فأكملوا شهر شعبان ثلاثين، ولا تسقبلوا رمضان بصوم يومٍ من شعبان‏"‏‏.‏

1711- وقال أبو يعلى الموصليُّ‏:‏ حدَّثنا زهير ثنا إسماعيل عن حاتم بن أبي صغيرة عن سِماك بن حرب قال‏:‏ أصبحت صائمًا في اليوم الذي يشكُّ فيه من رمضان، فأتيت عكرمة وهو يأكل خبزًا وبقلاً وعنبًا، فقال‏:‏ ادْن فكل‏.‏

فقلت‏:‏ إنِّي صائمٌ‏.‏

فقال‏:‏ أقسم بالله لتفطرنَّه‏.‏

قلت‏:‏ سبحان الله‏!‏ قال‏:‏ أحلف بالله لتفطرنَّه‏.‏

فلمَّا رأيته يحلف ولا يستثني تقدَّمت ‏[‏‏]‏ وأنا شبعان، إنَّما تسحَّرت قبيل ذاك، ثمَّ قال‏:‏ هات الآن ما عندك‏؟‏ فقال‏:‏ قال ابن عبَّاس‏:‏ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال دوله سحابٌ فأكملوا العدَّة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً‏"‏‏.‏

1712- وقال الإمام أبو بكر محمَّد بن إسحاق بن خزيمة‏:‏ حدَّثنا يحيى ابن محمَّد بن السَّكن البزَّار بخبرٍ غريب غريب‏:‏ ثنا يحيى بن كثير ثنا شعبة عن سِماك قال‏:‏ دخلت على عكرمة في اليوم الذي يُشكُّ فيه من رمضان- وهو يأكل- قال‏:‏ ادن فكُلْ‏.‏

فقلت‏:‏ إنِّي صائمٌ‏.‏

قال‏:‏ والله لتَدْنُونَّ‏.‏

فقلت‏:‏ فحدَّثني‏.‏

قال‏:‏ حدَّثني ابن عبَّاس أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقال‏:‏ ‏"‏لا تستقبلوا الشَّهر استقبالاً، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبين منظره سحابٌ أو قترةٌ فأكملوا العدَّة ثلاثين‏"‏‏.‏

1713- وقال أبو القاسم الطَّبرانيُّ‏:‏ حدَّثنا محمَّد بن النَّظر الأزديُّ ثنا معاوية بن عمرو ثنا زائدة عن سِماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عبَّاس قال‏:‏ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال دونه غباية فأكملوا العدَّة، والشَّهر تسعٌ وعشرون‏"‏‏.‏

1714- قال الطَّبرانيُّ‏:‏ وحدَّثنا الحسين بن إسحاق التستريُّ ثنا عبَّاد بن يعقوب الأسديُّ ثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك بن حربٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاس عن النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏لا تقدَّموا الشَّهر، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن كانت بينكم وبيبه غباية فأتمُّوا العدَّة‏"‏‏.‏

1715- قال الطَّبرانيُّ‏:‏ وحدَّثنا معاذ بن المثنى ثنا مسدَّد ثنا أبو الأحوص عن سِماك عن عكرمة عن ابن عبَّاس قال‏:‏ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غباية فأكملوا ثلانين‏"‏‏.‏

رواه الإمام أحمد بن حنبل عن إسماعيل بن حاتم بن أبي صغيرة بإسناده‏:‏ ‏"‏صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحابٌ فكمِّلوا العدَّة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشَّهر استقبالاً‏"‏‏.‏

وفيه‏:‏ ‏(‏قال حاتم‏:‏ يعني عِدَّة شعبان‏)‏‏.‏

ورواه أبو داود عن الحسن بن عليٍّ عن الحسن بن عليٍّ عن زائدة‏.‏

ورواه التِّرمذيُّ عن قتيبة عن أبي الأحوص بنحوه، وقال‏:‏ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

ورواه النَّسائيُّ‏:‏ عن قتيبة أيضًا، وعن إسحاق بن إبراهيم عن إسماعيل بن إبراهيم عن حاتم بن أبي صغيرة بمعناه‏.‏

وعن قتيبة عن ابن أبي عديٍّ عن أبي يونس عن سِماك بنحوه‏.‏

ورواه ‏"‏أبو حاتم البستيُّ‏:‏ عن محمَّد بن عبد الله بن الجنيد عن قتيبة عن أبي الأحوص، وعن ابن خزيمة‏.‏

وفي الجملة هذا الحديث نصٌّ في المسألة، وهو حديثٌ صحيحٌ كما قال التِّرمذيُّ‏.‏

وسِماك بن حرب‏:‏ وثَّقه يحيى بن معين وأبو حاتم الرَّازيُّ

وغيرهما، وروى له مسلمٌ في ‏"‏ صحيحه ‏"‏ الكثير‏.‏

1716- وقد روى مسلمٌ من حديث ابن عبَّاس أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏[‏قال‏:‏ ‏"‏إنَّ الله‏]‏ قد أمَدَّه لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدَّة‏"‏‏.‏

وفي الحديث الذي ذكرناه زيادة على هذا، والله أعلم‏.‏

وأمَّا حديث حذيفة‏:‏ فرواه أبو داود عن محمَّد بن الصَّبَّاح البزَّاز عن جرير بن عبد الحميد‏.‏

ورواه النَّسائيُّ عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير‏.‏

ورواه عن محمَّد بن بشَّار عن عبد الرَّحمن بن مهديِّ عن سفيان عن منصور عن رِبعيٍّ عن بعض أصحاب النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

وعن محمَّد بن حاتم بن نعيم عن حِبَّان عن عبد الله عن الحجَّاج بن أرطاة عن منصور عن رِبعيٍّ قال‏:‏ قال النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلاً‏.‏

وقال النَّسائيُّ‏:‏ لا أعلم أحدًا من أصحاب منصور قال في هذا الحديث‏:‏ ‏(‏عن حذيفة‏)‏ غير جرير‏.‏

ورواه أبو حاتم البستيُّ عن الحسين بن إدريس الأنصاريِّ عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير‏.‏

وقول المؤلِّف ‏(‏أنَّ أحمد ضعَّف حديث حذيفة‏)‏ وهمٌ منه، فإنَّ أحمد إنَّما أراد أنَّ الصَّحيح قول من قال‏:‏ عن رجلٍ من أصحاب النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنَّ تسمية حذيفة وهمٌ من جرير؛ فظنَّ المؤلِّف أنَّ هذا تضعيفٌ من أحمد للحديث وأنَّه مرسلٌ، وليس هو بمرسلٍ، بل متصلٌ‏:‏ إمَّا عن حذيفة، وإمَّا عن رجلٍ من أصحاب النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وجهالة الصَّحابي غير قادحةٍ في صحة الحديث- كما ظنَّه بعضهم-، والله أعلم‏.‏

وأمَّا حديث معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس عن عائشة‏:‏ فرواه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن ابن مهديٍّ عن معاوية، وهو حديثٌ صحيحٌ، ورواته ثقاتٌ محتجٌّ بهم في الصَّحيح، وقد صحَّح الدَّارَقُطْنيُّ إسناده كما تقدَّم‏.‏

وقول المؤلِّف ‏(‏هذه عصبيَّةٌ من الدَارَقُطْنِيِّ، كان يحيى بن سعيد لا يرضى معاوية بن صالح، وقال أبو حاتم الرَّازيُّ‏:‏ لا يحتجُّ به‏)‏ غير صحيحٍ، وإنَّما العصبيَّة منه، فإنَّ معاوية بن صالح‏:‏ ثقةٌ صدوقٌ، وثَّقه عبد الرَّحمن بن مهديٍّ وأحمد بن حنبل وأبو زرعة وغيرهم، وروى له مسلمٌ في ‏"‏ صحيحه ‏"‏ محتجًّا به، وما روى شيئًا خالف فيه الثِّقات، وكون يحيى بن سعيد لا يرضاه غير قادحٍ فيه، فإنَّ يحيى شَرْطُه شديدٌ في الرِّجال، ولذلك قال‏:‏ لو لم أرو إلا عن من أرضى ما رويت إلا عن خمسة‏!‏ وأمَّا قول أبي حاتم‏:‏ ‏(‏لا يحتجُّ به‏)‏ فغير قادح فيه أيضًا، فإنَّه لم يذكر السَّبب، وقد تكرَّرت هذه اللفظة منه في رجالٍ كثيرين من أصحاب الصَّحيح من الثِّقات الأثبات من غير بيان السَّبب، كخالد الحذَّاء وغيره؛ وقد قال عبد الرَّحمن بن أبي حاتم‏:‏ سألت أبي عن معاوية بن صالح فقال‏:‏ صالح الحديث، حسن الحديث‏.‏

وأمَّا حديث عمَّار‏:‏ فرواه أبو داود عن محمَّد بن عبد الله بن نُمير عن أبي خالد الأحمر‏.‏

ورواه النَّسائيُّ عن الأشج‏.‏

ورواه ابن ماجة عن ابن نُمير‏.‏

وقد رُوي عن أبي إسحاق قال‏:‏ حدِّثت عن صِلَة بن زُفَر‏.‏

وهذه علَّةٌ في الحديث‏.‏

وأمَّا الحديث السَّادس- حديث أبي هريرة-‏:‏ ففي إسناده الواقديُّ وهو ضعيفٌ‏.‏

1717- وقد روى البيهقيُّ من حديث الثَّوريِّ عن أبي عبَّاد عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن صيامٍ قبل رمضان بيوم، والأضحى، والفطر، وأيام التشريق- ثلاثة أيامٍ بعد يوم النحر-‏.‏

وأبو عبَّاد هو‏:‏ عبد الله بن سعيد المقبريُّ، وقد أجمعوا على ضعفه، وعدم الاحتجاج بحديثه، والله أعلم‏.‏

وأمَّا الحديث السَّابع‏:‏ فهو حديثٌ موضوعٌ لا يُشكُّ في وضعه، فلا يجوز الاحتجاج به بحالٍ، وقد شفى المؤلِّف فيه، والله أعلم O‏.‏